الجاحظ
119
رسائل الجاحظ
وشواهده أو هجم عليه النبي بشواهده إما بخبر مقنع أو بعيان شاف ، ففي أية الحالين جرب وعرف وميز وحفظ : أفي حال الطفولة والغرارة - وهذا غير معروف في التجربة والعادة ، والذي عليه ركبت الطبيعة - أم في حال البلوغ والتمام - وحال البلوغ هي الحال التي [ فيها ] أبلغه اللّه الرسالة وقاده إلى رؤية الحجة واستماع البرهان ومخرج الرسالة ؟ فإن كان الأمر كما تقولون فقد كان ينبغي أن لا يصل إلى العلم بصدق النبي وقد أراه برهانه وأسمعه حجته ، حتى تمكث بعد ذلك دهرا يمتحن الدنيا ويتعقب أمورها ويعمل التجربة فيها ، فإن كان ذلك كذلك فلم سميتموه بالغا وليس في طاقته بعد العلم بفصل ما بين النبي والمتنبي ؟ - قلنا : إن التجربة على ضربين : أحدهما [ أن ] يقصد الرجل إلى امتحان شيء ليعرف مخبره كما عرف منظره ، والآخر أن يهجم على علم ذلك من غير قصد ، وقد يسمى الانسان مجربا قاصدا أو هاجما ، فيزعم أن البالغ مذ سقط من بطن أمه إلى أن يبلغ مقلب في الأمور المختلفة ومصرف في خلال الحالات المعروفة التي تلقحه الدنيا بما تورد عليه من عجائبها ، ويزداد في كل ساعة معرفة وتفيده الأيام في كل يوم تجربة ، كما يزداد لسانه قوة وعظمه صلابة ولحمه شدة ، من أم تناغيه وظئر تلهيه وطفل يلاعبه وطبيب يعالجه ونفس تدعوه وطبيعة تعينه وشهوة تبعثه ووجع يقلقه ، كما يزيد الزمان في قوته ويشد من عظمه ولحمه ويزيده الغذاء عظما وكثرة الغضب والتقلب جلدا ، فإذا درج وحبا وضحك وبكى وأمكنه أن يكسر إناء أو يكبّه أو يسود ثوبا أو يضرب صبيا [ فضرب ] دبره الخادم وانتهره القيم ، فلا يزال ذلك دأبه ودأبهم حتى يفهم الإغراء والزجر والتعدية والانتهار ، كما يعرف الكلب اسمه إذا ألح عليه الكلام به وكما يعرف المجنون لقبه وكما يحضر الفرس من وقع السوط لكثرة وقعه بعد رفعه عليه . [ 13 - البالغ يعرف النبوة ضرورة لأنه استحكم عنده العلم بأسس التمييز بين الرسول الصادق والمتنبي الكاذب ]